فخر الدين الرازي

51

المطالب العالية من العلم الإلهي

العاشر : الآيات الدالة على أن تكليف ما لا يطاق لم توجد . قال اللّه تعالى : لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها « 1 » - وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ « 2 » - وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ ، وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ « 3 » - وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ « 4 » ولو كان العلم بالعدم ، مانعا من ذلك الفعل ، لكانت التكاليف بأسرها : تكليفا [ بما لا يطاق « 5 » ] فثبت بمجموع هذه الوجوه العقلية : أن العلم بالعدم ، لا يمنع من الفعل . وأما الوجوه السمعية فستة : الأول : إن القرآن مملوء من الآيات [ الدالة « 6 » ] على أنه لا مانع لأحد من الإيمان . قال تعالى : وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى « 7 » ؟ وهو إنكار بلفظ الاستفهام ومعلوم أنه لو كان علم اللّه بعدم الإيمان ، وإخباره عن عدم الإيمان : مانعا . لصار قوله : وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا : كذبا . وكذلك قوله : وَما ذا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا « 8 » ؟ وقوله لإبليس : ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ « 9 » ؟ وقول موسى عليه السلام لأخيه : ما مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ

--> ( 1 ) سورة البقرة ، آية : 286 وفي مجمع البيان : « أي لا يأمر ولا ينهي أحدا إلا ما هو له مستطيع » . وقيل : إن معنى قوله إِلَّا وُسْعَها ألا يسرها دون عسرها ، ولم يكلفها طاقتها . ولو كلفها طاقتها لبلغ المجهود منها . عن سفيان بن عينية . وهذا قول حسن . وفي هذا دلالة على بطلان قول المجبرة في تجويز تكليف العبد ما لا يطيقه . لأن الوسع هو ما تتسع له قدرة الانسان ، وهو المجهود واستفراغ القدرة . وقال بعضهم : إن معناه : إلا ما يسعها ويحل لها . وهذا خطأ لأن نفس أمره إطلاق . فكأنه قال : لا أطلق لك ولا آمرك إلا بما أمرك . ( 2 ) سورة الحج ، آية : 78 . ( 3 ) سورة الأعراف ، آية : 157 . ( 4 ) سورة البقرة ، آية : 185 . ( 5 ) زيادة . ( 6 ) من ( م ، ل ) . ( 7 ) سورة الإسراء ، آية : 94 . ( 8 ) سورة النساء ، آية : 39 . ( 9 ) سورة ص ، آية : 75 .